الآلوسي
31
تفسير الآلوسي
الزكاة والمعول عليه الأول ، ولم يعين مقدار الصدقة ليجزي الكثير والقليل ، أخرج الترمذي وحسنه . وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لما نزلت * ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ) * الخ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " ما ترى في دينار ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : نصف دينار ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : فكم ؟ قلت : شعيرة ، قال : فإنك لزهيد " فلما نزلت * ( أأشفقتم ) * الآية قال صلى الله عليه وسلم : " خفف الله عن هذه الأمة " ولم يعمل بها على المشهور غيره كرم الله تعالى وجهه ، أخرج الحاكم وصححه . وابن المنذر . وعبد بن حميد . وغيرهم عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال : إن في كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى * ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ) * الخ كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، فنزلت * ( أأشفقتم ) * الآية ، قيل : وهذا على القول بالوجوب محمول على أنه لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقاء الحكم ، واختلف في مدة بقائه ، فعن مقاتل أنها عشرة ليال ، وقال قتادة : ساعة من نهار ، وقيل : إنه نسخ قبل العمل به ولا يصح لما صح آنفاً . وقرى - صدقات - بالجمع لجمع المخاطبين * ( ذَلكَ ) * أي تقديم الصدقات * ( خَيْرٌ لَكُمْ ) * لما فيه من الثواب * ( وَأطْهَرُ ) * وأزكى لأنفسكم لما فيه من تعويدها على عدم الاكتراث بالمال وإضعاف علاقة حبه المدنس لها ، وفيه إشارة إلى أن في ذلك إعداد النفس لمزيد الاستفاضة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المناجاة . وفي الكلام إشعار بندب تقديم الصدقة لكن قوله تعالى : * ( فَإنْ لَمْ تَجدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ ) * أي لمن لم يجد حيث رخص سبحانه له في المناجاة بلا تقديم صدقة أظهر إشعاراً بالوجوب . * ( أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلواةَ وَءَاتُواْ الزَّكَواةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * . * ( ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات ) * أي أخفتم الفقر لأجل تقديم الصدقات فمفعول * ( أشفقتم ) * محذوف ، و * ( أن ) * على إضمار حرف التعليل ، ويجوز أن يكون المفعول * ( أن تقدموا ) * فلا حذف أي أخفتم تقديم الصدقات لتوهم ترتب الفقر عليه ، وجمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة لأنه ليس مظنة الفقر بل من استمرار الأمر ، وتقديم * ( صدقات ) * وهذا أولى مما قيل : إن الجمع لجمع المخاطبين إذ يعلم منه وجه إفراد الصدقة فيما تقدم على قراءة الجمهور * ( فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ) * ما أمرتم به وشق عليكم ذلك * ( وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) * بأن رخص لكم المناجاة من غير تقديم صدقة ، وفيه على ما قيل : إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله تعالى عنه لما رؤى منهم من الانقياد وعدم خوف الفقر بعد ما قام مقام توبتهم * ( وإذ ) * على بابها أعني أنها ظرف لما مضى ، وقيل : إنها بمعنى * ( إذ ) * الظرفية للمستقبل كما في قوله تعالى : * ( إذ الأغلال في أعناقهم ) * ( غافر : 71 ) . وقيل : بمعنى إن الشرطية كأنه قيل : فإن لم تفعلوا * ( فَأَقيمُوا الصَّلَوَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ ) * والمعنى على الأول إنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، واعتبرت المثابرة لأن المأمورين مقيمون للصلاة ومؤتون للزكاة ، وعدل فصلوا إلى * ( فأقيموا الصلاة ) * ليكون المراد المثابرة على توفية حقوق الصلاة ورعاية ما فيه كمالها لا على أصل فعلها فقط ، ولما عدل عن ذلك لما ذكر جيء بما بعده على وزانه ؛ ولم يقل وزكوا لئلا يتوهم أن المراد الأمر بتزكية النفس كذا قيل فتدبر * ( وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) * أي في سائر الأوامر ، ومنها ما تقدم في ضمن قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ) * ( المجادلة : 11 ) الآيات وغير ذلك .